الاستثمار في الإنسان كضرورة حتمية يقول “نيلسون مانديلا”: «التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم». واليوم، ونحن ندرك أن هذا السلاح لا يكون فعالاً إلا إذا تم توجيهه نحو بوصلة التنمية المستدامة. إننا لا ندرب من أجل تحسين الأداء الوظيفي فحسب، بل ندرب لبناء مجتمع عربي يمتلك القدرة على البقاء والازدهار في ظل تحديات القرن الحادي والعشرين.
المحور الأول: مفهوم التعليم والتدريب من أجل التنمية المستدامة (ESD)
إن التعليم من أجل التنمية المستدامة ليس مجرد “إضافة” للمناهج، بل هو إعادة صياغة كاملة لعملية التعلم. وفقاً لتعريف اليونسكو (UNESCO)، هو عملية تعلم مدى الحياة تهدف إلى تمكين الأفراد من اتخاذ قرارات مدروسة تضمن العدالة الاقتصادية، والنزاهة البيئية، والعدالة الاجتماعية.
المرتكزات العلمية لهذا التوجه:
* التعلم التحويلي (Transformative Learning): حسب نظرية “جاك ميزيرو”، يجب أن يؤدي التدريب إلى تغيير في “أطر المعنى” لدى المتدربين، ليدركوا دورهم كمسؤولين عن استدامة الموارد.
* تكامل الأبعاد: التدريب الفعال يربط بين البعد البيئي، الاجتماعي، والاقتصادي (النموذج الثلاثي للاستدامة).
المحور الثاني: التدريب كأداة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030
كمدربين (TOT)، نحن القوة الضاربة لتحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة (SDG 4): “التعليم الجيد”.
ولكن، كيف يساهم التدريب في الاستدامة؟
* سد فجوة المهارات (Skills Gap): تشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) إلى أن 50% من جميع الموظفين سيحتاجون إلى إعادة تأهيل مهاراتهم باستمرار. التدريب المستدام هو الذي يركز على “المهارات الخضراء” والابتكار التقني.
* تعزيز المواطنة العالمية: التدريب يغرس قيم التسامح والتعاون، وهي أسس الاستقرار المجتمعي اللازم لأي تنمية اقتصادية.
* الاقتصاد القائم على المعرفة: الاستثمار في تدريب الكوادر العربية يقلل الاعتماد على الموارد الطبيعية الناضبة وينتقل بنا إلى استدامة العقل البشري.
المحور الثالث: خارطة طريق للمدرب والمؤسسات التعليمية العربية
للانتقال من التنظير إلى التطبيق، أقترح “نموذج الاستدامة في التدريب” الذي يعتمد على:
* الرقمنة الكاملة: تقليل الأثر البيئي للتدريب عبر المنصات الافتراضية.
* التدريب القائم على المشكلات (PBL): توجيه المشاريع التدريبية لحل مشكلات واقعية في المجتمع العربي (مثل ندرة المياه أو الطاقة المتجددة).
* القياس المستمر للأثر: الاعتماد على نماذج قياس مثل (Kirkpatrick Model) ليس فقط لقياس السعادة بالدورة، بل لقياس التغيير السلوكي طويل الأمد نحو المجتمع.
الخاتمة: رسالة إلى المستقبل
ختاماً، إن التدريب والتطوير ليس تكلفة تتحملها المؤسسات، بل هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر. في مجتمعنا العربي، نحن لا نحتاج فقط إلى “خبراء”، بل نحتاج إلى “قادة تنمية مستدامة” يؤمنون بأن رفاهية اليوم لا يجب أن تأتي على حساب أجيال الغد.
المصادر:
* UNESCO (2020): Education for Sustainable Development: A Roadmap.
* World Economic Forum (2023): The Future of Jobs Report.
* Mezirow, J. (1991): Transformative Dimensions of Adult Learning.
* UN (2015): The 17 Sustainable Development Goals.
الأستاذ الدكتور/ مجدي فاروق السماحي
أستاذ النانوتكنولوجي ووقاية النبات – معهد بحوث وقاية النباتات – مركز البحوث الزراعية
وكيل محطة البحوث الزراعية بسخا الأسبق
رئيس فرع الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة بكفر الشيخ
مسئول برنامج مطبقي المبيدات بمحافظة كفر الشيخ
المشرف العلمي لدودة الحشد الخريفية بمحافظة كفر الشيخ
عضو مجلس إدارة جمعية مجلس علماء مصر
عضو لجنة أخلاقيات البحث العلمي بجامعة كفر الشيخ
مستشار مجلس إدارة المجلة العلمية أهرام قسم العلوم
أمين حزب حماة الوطن بكفر الشيخ الأسبق.











