في المجتمعات الحية، لا تُقاس قوة الإنسان بما يملك، بل بما يقول ويلتزم. فالكلمة ليست مجرد صوت عابر، بل عهدٌ أخلاقيٌّ يربط الإنسان بذاته وبالآخرين. وحين تضعف قيمة الكلمة، يتصدّع معها بنيان الثقة، ويختلّ ميزان العلاقات، وتفقد المجتمعات أحد أهم أعمدتها غير المرئية.
لقد كان “وعد الكبير” عبر الأجيال مرادفًا للثقة والهيبة؛ كلمة تُقال فتُنفّذ، وعهدٌ يُقطع فيُصان. لم تكن هناك حاجة إلى عقود مُوثّقة أو تذكيرات متكررة، لأن الضمير كان حاضرًا، والالتزام كان جزءًا من الهوية. الكبير – أبًا كان أو معلمًا أو مسؤولًا – كان يُدرك أن كلمته ليست ملكه وحده، بل هي نموذج يُحتذى، ورسالة تُورّث.
غير أن هذا المشهد لم يعد بذات الصفاء. فقد تسلّل إلى واقعنا نوعٌ من التهاون بالكلمة، تجلّى بوضوح في سلوكيات بعض الأجيال الأصغر، حيث أصبح الوعد يُعطى بسهولة، ويُنكث بلا حرج. تتكرر المواعيد المؤجلة، وتُقال العبارات بلا نية صادقة للالتزام، وكأن الكلمة فقدت وزنها، وأصبحت مجرد مجاملة اجتماعية أو وسيلة لتجاوز موقف مؤقت.
لكن من الظلم أن نحمّل “الصغير” وحده مسؤولية هذا الانحدار؛ فالحقيقة أن استهتاره في كثير من الأحيان انعكاسٌ مباشرٌ لاستهانة “الكبير”. حين يرى الشاب أستاذه لا يحترم موعدًا، أو مسؤولًا يُخلف وعدًا، أو أبًا يبرر لنفسه عدم الالتزام، فإن الرسالة تصل واضحة: “الكلمة قابلة للتأجيل، وربما للإلغاء”. وهنا تنتقل العدوى، لا عبر التلقين، بل عبر القدوة.
إننا أمام أزمة ثقافة، لا مجرد خلل سلوكي. أزمة تتعلق بفهم معنى الكلمة وقيمتها، وبإدراك أن الالتزام ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة اجتماعية. فالمجتمعات التي لا تُحترم فيها الكلمة، تُهدر فيها الطاقات، وتتآكل فيها الثقة، ويصعب فيها البناء أو التخطيط.
إعادة الاعتبار للكلمة تبدأ من إعادة تعريفها:
أن نقول أقل، ونفعل أكثر.
أن نربط الوعد بالقدرة، لا بالرغبة فقط.
أن نُعلّم أبناءنا أن الاعتذار عن عدم الوفاء خيرٌ من الوعد الكاذب.
وأن يدرك الكبار قبل الصغار أن كل كلمة تُقال هي درسٌ يُعاش، لا مجرد عبارة تُنسى.
كما أن المؤسسات – التعليمية والإدارية – مطالبة بأن تكون حاضنة لقيم الانضباط، لا بيئة تُكرّس التسيّب. فاحترام الوقت، والوفاء بالوعود، ومحاسبة المقصّر، كلها أدوات تربوية قبل أن تكون إدارية.
في النهاية، تبقى الكلمة مرآة الإنسان. فإن صدقت، رفعت صاحبها ولو كان بسيطًا، وإن كذبت، أسقطته ولو كان كبيرًا. وبين وعد الكبير واستهتار الصغير، تقف الحقيقة واضحة: نحن لا نُربّي الأجيال بما نقول، بل بما نلتزم به.
مقال
الأستاذ الدكتور/ مجدي فاروق السماحي
أستاذ النانوتكنولوجي ووقاية النبات – معهد بحوث وقاية النباتات – مركز البحوث الزراعية
وكيل محطة البحوث الزراعية بسخا الأسبق
رئيس فرع الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة بكفر الشيخ
مسئول برنامج مطبقي المبيدات بمحافظة كفر الشيخ
المشرف العلمي لدودة الحشد الخريفية بمحافظة كفر الشيخ
عضو مجلس إدارة جمعية مجلس علماء مصر
عضو لجنة أخلاقيات البحث العلمي بجامعة كفر الشيخ
مستشار مجلس إدارة المجلة العلمية أهرام قسم العلوم
اقرأ أيضا
الدكتور مجدى السماحى يكتب الدكتوراه بين الاستحقاق الشكلي والقيمة الحقيقية











